مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
188
موسوعه أصول الفقه المقارن
إنّما هو عند الجهل وعدم انكشاف الواقع ، إلّاأنّ دليل الأمارة لم يؤخذ في موضوعه هذا الشك فهو ظرفه ومورده ، بخلاف دليل الأصل حيث أخذ الجهل والشك وعدم الانكشاف في موضوعه « 1 » . وعليه فيكون دليل التعبّد بالأصل حافظاً للشك واستتار الواقع ، ودليل التعبّد بالأمارة رافع للاستتار ، وهذا سرّ تقدم الأمارات على الأصول مطلقاً « 2 » . ولكن مبنى الشهيد الصدر قدس سره للتمييز بين الأمارات والأصول هو نفس مبناه في حقيقة الأحكام الظاهرية جميعاً من الأمارات والأصول ، وهو أنّ خطابات الأحكام الظاهرية مردّها إلى خطابات تعيين ما هو الأهم من الأغراض الترخيصية واللزومية عند اختلاطها على المكلّفين ، وأنّ الأهميّة التي تستدعي جعل الحكم الظاهري وفقاً لها تارةً تكون بلحاظ الاحتمال ، وأخرى بلحاظ المحتمل ، وثالثة بلحاظ الاحتمال والمحتمل معاً . وحينئذٍ عند اختلاط الأغراض اللزومية والترخيصية ، فإن قُدّم بعضها وجُعل الحكم الظاهري وفقاً لها لقوة احتمالها وغلبة مصادفة هذا الاحتمال للواقع بدون أخذ نوع المحتمل بعين الاعتبار ، فهذا أمارة سواء أكان لسان الجعل لسان جعل الطريقيّة وتتميم الكشف أم لا . وإن قُدّم بعضها وجعل الحكم الظاهري وفقاً له لأهميةٍ في نفس هذا المحتمل بدون أخذٍ لكاشفية الاحتمال بعين الاعتبار ، كان الحكم من الأصول العملية المحضة كأصالة الإباحة وأصالة الاحتياط ، والملحوظ في الأوّل أهمية الحكم الترخيصي المحتمل ، وفي الآخر أهمية الحكم الإلزامي المحتمل بقطع النظر عن درجة الاحتمال . وإن قُدّمت بعض المحتملات والأغراض على بعض بلحاظ كلا الأمرين من الاحتمال والمحتمل ، كان المجعول من الأصول العملية التنزيلية أو المحرزة كقاعدة الفراغ ونحوها . بلا فرق في جميع ذلك في الصيغة المبيّنة للحكم ، وهو لسان الدليل . نعم الأنسب في موارد التقديم بلحاظ قوة الاحتمال أن يصاغ الحكم الظاهري بلسان جعل الطريقيّة ، كما أنّ الأنسب في موارد التقديم بلحاظ أهمية المحتمل أن يصاغ بلسان تسجيل الوظيفة العمليّة « 3 » . الأمر الثالث : دور حساب الاحتمالات في دليلية التواتر والإجماع من جملة وسائل الإثبات الوجداني للدليل الشرعي بالنسبة إلى غير المعاصرين للشارع الإخبار الحسيّ المتعدّد ، بدرجة يوجب اليقين المسمّى ب « الخبر المتواتر » ، والإخبار الحدسي المتعدّد بتلك الدرجة المسمّى ب « الإجماع » . والكثرة العدديّة وإن كانت هي جوهرة التواتر ونظائره « 4 » ، ولكن ليس بالإمكان تحديدها في رقم معيّن كما حاوله بعض فحدّدها بتحديدات معيّنة ، كالقول بأنّها 313 بعدد شهداء بدر ، أو 12 بعدد نقباء بني إسرائيل وغير ذلك « 5 » . كما إنّ ما أفاده الشهيد الثاني « 6 » وغيره من أن الميزان هو إفادة العلم من تعريف الشيء بنفسه على ما ذكره
--> ( 1 ) . مصباح الأصول 3 : 151 . ( 2 ) . انظر : فوائد الأصول 4 : 481 - 482 ، تنقيح الأصول ( العراقي ) 45 - 46 ، منتقى الأصول 2 : 1047 . ( 3 ) . انظر : دروس في علم الأصول 2 : 34 - 35 . ( 4 ) . بحوث في علم الأصول ( الهاشمي ) 4 : 332 ، دروس في علم الأصول 2 : 153 . ( 5 ) . انظر : الإحكام ( للآمدي ) 1 - 2 : 268 . ( 6 ) . الرعاية لحال البداية : 59 - 60 .